محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
564
تفسير التابعين
وإذا كان لنا وقفة لبيان مكانة البصرة النحوية ، فإنها تكون مع سيبويه ؛ فلقد وضع كتابه ( الكتاب ) ، وقد أحاط فيه بقواعد النحو وأصوله ، وكثير من فروعه ، وعلله ، وحكمة الواضع فيما وضع ، وكثير من أقيسته ، وقد سار الكتاب سير الشمس في جميع الأقطار الإسلامية ، واشتغل الناس به درسا ، وتمحيصا ، وفهما ، وشرحا ، واختصارا ، بل إنه لم يخدم كتاب في العربية مثل ما خدم كتاب ( الكتاب ) لسيبويه ، وقد كان العلماء المتقدمون لا يرونه يعلم النحو فقط ، وإنما يعلم الابتكار والاستنتاج أيضا ، وقد كانوا يستكثرون على قدرة عالم واحد أن ينتج مثل ( الكتاب ) فتخيلوه لاثنين وأربعين عالما ، قال ثعلب : اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه « 1 » . وقد تكون هذه مبالغة ، إلا أن هذا الأمر على فرض وقوعه ، فهو يدل على تقدم علماء البصرة في النحو حتى اجتمع منهم أكثر من أربعين نفسا ، وهو عدد كبير له دلالاته وأبعاده « 2 » . وقد برزت الخصيصة اللغوية في النتاج الكثير المنقول عن المدرسة البصرية في التفسير ، فامتلأت تفسيراتهم بالعبارات الجزلة ، والألفاظ الفصيحة ، بل إن الإنسان قد يصيب كبد الحقيقة إذا قال : إن اللغة حفظت من جانب المدرسة البصرية أكثر من باقي المدارس مجتمعة . ومما يدل على ذلك أن المروي عن المدرسة البصرية في كتب غريب الحديث والمعاجم أكثر بكثير من باقي المروي عن المدارس مجتمعة ، فقارب ما روي عن الحسن وحده مجموع ما روي عن المكثرين غيره في المدارس الأخرى ، كما تقدم الإشارة إليه
--> ( 1 ) ينظر مقالة بيئة البصرة ص ( 84 ) ، ومدرسة الحديث في الكوفة ( 60 ) . ( 2 ) مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة ( 36 ) .